أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

123

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

إمعان فكر ونظر تام يفضي إلى الإيمان والتصديق ، ولم يقع منهم المأمور به وهو الإيمان ، فناسب ذلك نفي العلم عنهم . ووجه ثان وهو أن السّفه هو خفّة العقل والجهل بالأمور ، قال السموأل « 1 » : 196 - نخاف أن تسفه أحلامنا * فنجهل الجهل مع الجاهل « 2 » والعلم نقيض الجهل فقابله بقوله : لا يعلمون ، لأنّ عدم العلم بالشيء جهلّ به . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 14 إلى 15 ] وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ( 14 ) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 15 ) قوله تعالى : وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا : « إذا » منصوب بقالوا الذي هو جواب لها ، وقد تقدّم الخلاف في ذلك ، و « لقوا » فعل وفاعل ، والجملة في محلّ خفض بإضافة الظرف إليها . وأصل لقوا : لقيوا بوزن شربوا ، فاستثقلت الضمة على الياء التي هي لام الكلمة ، فحذفت الضمة فالتقى ساكنان : لام الكلمة وواو الجمع ، ولا يمكن تحريك أحدهما ، فحذف الأول وهو الياء ، وقلبت الكسرة التي على القاف ضمة لتجانس واو الضمير ، فوزن « لقوا » : فعوا ، وهذه قاعدة مطردة نحو : خشوا وحيوا . وقد سمع في مصدر « لقي » أربعة عشر وزنا : لقيا ولقية بكسر الفاء وسكون العين ، ولقاء ولقاءة ولقاءة بفتحها أيضا مع المدّ في الثلاثة ، ولقى ولقي بفتح القاف وضمها ، ولقيا بضم الفاء وسكون العين ولقيّا بكسرهما والتشديد ، ولقيّا بضم الفاء وكسر العين مع التشديد ، ولقيانا ولقيانا بضم الفاء وكسرها ، ولقيانة بكسر الفاء خاصة ، وتلقاء . و « الذين آمنوا » مفعول به ، و « قالوا » جواب « إذا » ، و « آمنا » في محل نصب بالقول . قوله تعالى : وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا تقدّم نظيره ، والأكثر في « خلا » أن يتعدّى بالباء ، وقد يتعدّى بإلى ، وإنما تعدّى في هذه الآية بإلى لمعنى بديع ، وهو أنه إذا تعدّى بالباء احتمل معنيين أحدهما : الانفراد ، والثاني : السخرية والاستهزاء ، تقول : « خلوت به » أي سخرت منه ، وإذا تعدّى بإلى كان نصّا في الانفراد فقط ، أو تقول : ضمّن خلا معنى صرف فتعدّى بإلى ، والمعنى : صرفوا خلاهم إلى شياطينهم ، أو تضمّن معنى ذهبوا وانصرفوا فيكون كقول الفرزدق : 197 - ألم تراني قالبا مجنّي * قد قتل اللّه زيادا عنّي « 3 » أي : صرفه بالقتل ، وقيل : هي هنا بمعنى مع ، كقوله : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ « 4 » . وقيل : هي بمعنى الباء ، وهذان القولان إنما يجوزان عند الكوفيين ، وأمّا البصريون فلا يجيزون التجوّز في الحروف لضعفها . وقيل : المعنى وإذا خلوا من المؤمنين إلى شياطينهم ، ف « إلى » على بابها ، قلت : وتقدير « من المؤمنين » لا يجعلها

--> ( 1 ) السموأل بن غريض بن عادياء الأزدي شاعر جاهلي حكيم من سكان خيبر أشهر شعره لاميته التي مطلعها : إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه * فكل رداء يرتديه جميل توفي نحو سنة 65 ه قبل الهجرة . معاهد التنصيص ( 1 / 388 ) ، سمط اللآلي ( 595 ) ، الأعلام ( 3 / 140 ) . ( 2 ) البيت من شواهد البحر ( 1 / 69 ) . ( 3 ) انظر ديوانه ( 881 ) ، الخصائص ( 2 / 310 ) ، المحتسب ( 1 / 52 ) ، الأشموني ( 2 / 95 ) . ( 4 ) سورة النساء ، آية ( 2 ) .